محمد أبو زهرة
3932
زهرة التفاسير
ولنذكر كلمات موجزة عن هذه الصفات الثلاث : فأما الأولى ، فهي : أن يصلوا ما أمر اللّه به أن يوصل ، فنقول : إن ما أمر اللّه به أن يوصل هو ما يتعلق ببناء المجتمع على المودة والرحمة ، فيصل قرابته القريبة والبعيدة ، فقد أمر سبحانه وتعالى بصلة الرحم ، فقال : . . . وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ . . . ( 75 ) [ الأنفال ] ، وأمر على لسان رسوله بصلة الأرحام في أكثر من حديث ، وأمر بالصلة بين الناس بالتعاون فيما بينهم على الخير ، فقال تعالى : . . . وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ . . . ( 2 ) [ المائدة ] ، ودعا إلى إقراء السلام على من عرفت ومن لم تعرف ، وأمر بإغاثة المستغيث ، وفك كرب المكروبين . فكل هذه صلات قد أمر اللّه تعالى بوصلها . ولقد جاء في الكشاف للزمخشري ما نصه : ما أمر اللّه به أن يوصل من الأرحام والقرابات ، ويدخل فيه وصل قرابة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقرابة المؤمنين الثابتة بسبب الإيمان إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ . . . ( 10 ) [ الحجرات ] ، بالإحسان إليهم على حسب الطاقة ، ونصرتهم ، والذب عنهم ، والشفقة عليهم ، والنصيحة لهم وطرح التفرقة بين أنفسهم ، وإفشاء السلام عليهم ، وعيادة مرضاهم ، وشهود جنائزهم ، ومنه مراعاة حق الأصحاب والخدم والجيران والرفقاء في السفر ) « 1 » . وهكذا نجد من الأمر بأن يصل ما أمر اللّه به أن يوصل ، أن يعملوا على رأب الصدع وجمع الوحدة ، وإزالة الفرقة ، وأن يحسنوا إلى الضعفاء والمساكين ، وقد روى ابن كثير عن عبد اللّه بن عمر أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق اللّه ؟ قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال : أول من يدخل الجنة من خلق اللّه الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور ، وتتقى بهم المكاره ، ويموت أحدهم وحاجته في صدره ، لا يستطيع لها قضاء ، فيقول اللّه تعالى لمن يشاء من الملائكة : ايتوهم فحيوهم ، فتقول الملائكة : نحن سكان سمائك ، وخيرتك من خلقك ، فتأمرنا أن نأتيهم فنسلم عليهم ، فيقول : إنهم كانوا يعبدونني لا يشركون
--> ( 1 ) الكشاف للزمخشري : ج 2 / 357 .